إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

36

زهر الآداب وثمر الألباب

وليس لي في تأليفه من الافتخار ، أكثر من حسن الاختيار ؛ واختيار المرء قطعة من عقله ، تدلّ على تخلَّفه أو فضله ؛ ولا شكّ - إن شاء اللَّه - في استجادة ما استجدت ، واستحسان ما أوردت ؛ إذ كان معلوما أنه ما انجذبت نفس ، ولا اجتمع حسّ ، ولا مال سر ، ولا جال فكر ، في أفضل من معنى لطيف ، ظهر في لفظ شريف ؛ فكساه من حسن الموقع ، قبولا لا يدفع ، وأبرزه يختال من صفاء السبك [ ونقاء السّلك ] وصحة الدّيباجة ، وكثرة المائية ، في أجمل حلة ، وأجلى حلية : يستنبط الروح اللطيف نسيمه أرجا ، ويؤكل بالضمير ويشرب « 1 » وقد رغبت في التجافي عن المشهور ، في جميع المذكور ، من الأسلوب الذي ذهبت إليه ، والنحو الذي عوّلت عليه ؛ لأن أوّل ما يقرع الآذان ، أدعى إلى الاستحسان ، مما مجّته « 2 » النفوس لطول تكراره ، ولفظته « 3 » العقول لكثرة استمراره ؛ فوجدت ذلك يتعذّر ولا يتيسر ، ويمتنع ولا يتّسع « 4 » ؛ ويوجب ترك ما ندر إذا اشتهر ؛ وهذا يوجب في التصنيف دخلا « 5 » ، ويكسب التأليف خللا ؛ فلم أعرض إلَّا عما أهانه الاستعمال ، وأذاله الابتذال « 6 » ؛ والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه ، ما ظهر من مستحسن لفظه ؛ من بارع عبارة « 7 » ، وناصع استعارة ، وعذوبة مورد ، وسهوله مقصد ، وحسن تفصيل ، وإصابة تمثيل ؛ وتطابق أنحاء ، وتجانس أجزاء ، وتمكَّن ترتيب ، ولطافة تهذيب ، مع صحّة طبع وجودة إيضاح ، يثقفه تثقيف القداح ، ويصوره أفضل تصوير ، ويقدّره أكمل تقدير ؛ فهو مشرق

--> « 1 » يستنبط : يستخرج « 2 » مجته : مقتته « 3 » لفظته : رمته « 4 » يتسع : يسهل « 5 » الدخل والدخل : العيب ، ونخلة مدخولة : عفنة الجوف « 6 » أذاله : أهانه « 7 » من إضافة الصفة للموصوف ، أي عبارة بارعة ، وكذلك ما بعده